ابن أبي الحديد
128
شرح نهج البلاغة
ولا يعلمه ذلك ، ولا أحد من الخلق قريبا كان منه أو بعيدا ، ثم يكتب اسمه في أربع صحائف ، ويختمها بخاتمه ، ويضعها عند أربعة نفر من أعيان أهل المملكة ، ثم لا يكون منه في سره وعلانيته أمر يستدل به على ولى عهده من هؤلاء في إدناء وتقريب يعرف به ، ولا في إقصاء ، وإعراض يستراب له . وليتق ذلك في اللحظة والكلمة ، فإذا هلك الملك جمعت تلك الصحائف إلى النسخة التي تكون في خزانة الملك ، فتفض جميعا ، ثم ينوه حينئذ باسم ذلك الرجل ، فيلقى الملك إذا لقيه بحداثة عهده بحال السوقة ، ويلبسه إذا لبسه ببصر السوقة وسمعها ، فإن في معرفته بحاله قبل إفضاء الملك إليه سكرا تحدثه عنده ولاية العهد ، ثم يلقاه الملك فيزيده سكرا إلى سكره ، فيعمى ويصم ، هذا مع ما لا بد أن يلقاه أيام ولاية العهد من حيل العتاة ، وبغى الكذابين ، وترقية النمامين ، وإيغار صدره ، وإفساد قلبه على كثير من رعيته ، وخواص دولته ، وليس ذلك بمحمود ولا صالح . واعلموا أنه ليس للملك أن يحلف ، لأنه لا يقدر أحد استكراهه ، وليس له أن يغضب لأنه قادر ، والغضب لقاح الشر والندامة ، وليس له أن يعبث ويلعب ، لان اللعب والعبث من عمل الفراغ ، وليس له أن يفرغ لان الفراغ من أمر السوقة ، وليس للملك أن يحسد أحدا إلا على حسن التدبير ، وليس له أن يخاف لأنه لا يد فوق يده . واعلموا أنكم لن تقدروا على أن تختموا أفواه الناس من الطعن والإزراء عليكم ، ولا قدرة لكم على أن تجعلوا القبيح من أفعالكم حسنا ، فاجتهدوا في أن تحسن أفعالكم كلها ، وإلا تجعلوا للعامة إلى الطعن عليكم سبيلا . واعلموا أن لباس الملك ومطعمه ومشربه مقارب للباس السوقة ومطعمهم ، وليس